بسم الله الرحمن الرحيم
إخواني في الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه
أما بعد ........،
ففي زمن الغربة والضعف يتطاول الجهلة والمغفلين والمنافقين
على الأمة بكل ثوابتها فلم يسلم كتاب الله من محاولات للتشويش عليه
ولا سنة رسول الله سلمت من محاولات غمزها ولمزها والتشكيك فيها
مع أن كلا المصدرين تاريخهما وسط البشر يزيد عن أربعة عشر قرنا
عاش فيها من العلماء والأئمة آلاف الآلاف لم يتركوا في الإسلام
حرفا لم يأتوا عليه بالبحث والدراسة وأخرجوا مكنوناته علما وعملا
وسلوكا حتى حفظوا الحروف والحدود سويا وكتبوا في رسم الحروف
ونظموا حتى في رسم القرآن وكتبوا كتبا في ضبط ألفاظ الحديث
وشرح غريبه وبلاغياته
ولم يزالوا على ذلك الحال حتى استخرجوا من السنن الكونية والرسوم
الفلكية ما لم يكن يخطر ببال أحد أن يصل إليه يوما وكل هذا من تدبرهم
في الكتاب والسنة
باذلين في شتى تلك العلوم أعمارهم التي تجاوز عمر الواحد منهم
الستين من السنين فيأتي مجاهيل لا يستطيع أحدهم أن يقرر مسألة
واحدة شرعية بأصولها وأدلتها فيطعن في علماء الأمة بدعاوى أنهم
لم يطلعوا على مكتشفاته الحضارية الحديثة ومما يستدلون به
أنهم اكتشفوا كروية الأرض وهو ما لم يعرفه الأوائل
والآن أورد لكم أن هذه المسألة الحديثة الثوب
فيها إجماع منقول من نحو سبعمائة سنة
عن كل علماء المسلمين بصورة لا يمكننا أن نقول
نحمد الله أن خلقنا مسلمين ويسر لنا خير العلماء
وأعظم السلف الصالحين
فما بقي طاعن في علماء المسلمين إلا ويلجمه
العلماء بما يطلعه على أن له في كلام أهل الإسلام
سلف قبل أن يكتشف المكتشفون ويحيط بعلمه الباحثون
وهذا أوان الشروع في المقصود
أضواء البيان
عند قوله تعالى
(( والأرض بعد ذلك دحاها ))
((أما أقوال العلماء في شكل الأرض ، فإن أجمع ما وقفت عليه ، وأصرح
وأبين ، هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
في رسالة الهلال ، جاء فيها :
قال في موضع منها قوله ، وقد ثبت بالكتاب والسنة
والإجماع من علماء الأمة ، أن الأفلاك مستديرة ، قال تعالى :
{ وَمِنْ آيَاتِهِ الليل والنهار والشمس والقمر } [ فصلت : 37 ] وقال :
{ وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ الأنبياء : 33 ]
وقال تعالى : { لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ
فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ يس : 40 ] . قال ابن عباس : في فلكة مثل فلكة المغزل .
وهكذا هو في لسان العرب : الفلك الشيء المستدير . ومنه يقال : تفلك ثدي الجارية
إذا استدار . قال تعالى : { يُكَوِّرُ الليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى الليل } [ الزمر : 5 ] ،
والتَّكوير هو التدوير . ومنه قيل : كار العمامة وكورها ، ولهذا يقال للأفلاك :
كروية الشكل . لأن أصل الكرة كورة تحركة الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً .
وقال : { الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ } [ الرحمن : 5 ] مثل حسبان الرحى ،
وقال : { مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتِ } [ الملك : 3 ] وهذا إنما يكون
فيما يستدير من أشكال الأجسام دون المضلعات من المثلث أو المربع أو
غيرهما ، فإنه يتفاوت لأأن زواياه مخالفة لقوائمه .
والجسم المستدير متشابه الجوانب والنواحي ، ليس بعضه مخالفاً لبعض .
وجاء فيه قوله أيضاً : وقال الإمام او بالحسين أحمد بن جعفر بن المنادي ،
من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار والتصانيف الكبار ، في متون
العلوم الدينية من البطقة الثانية من أصحاب أحمد : لا خلاف بين العلماء أن
السماء على مثال الكرة ، وأنها تدور بجميع ما فيها من الكواكب ، كدورة
الكرة على قطبين ثابتين غير متحركين ، أحدهما في الشمال ، والآخر
في ناحية الجنوب . قال : ويدل على ذلك أن الكاوكب جميعها تدور من
المشرق تقع قليلاً على ترتيب واحد في حركتها ومقادير أجزائها ، إلى
أن تتوسط السماء ، ثم تنحدر على ذلك الترتيب ، فكأنها ثابتة في كرة
تديرها جميعها دوراً واحداً .هذه نبذة من أقوال علماء المسلمين في شكل
الأفلاك ، ثم قال : وهذا محل القصد بالذات ، وكذلك أجمعوا على أن
الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة .
قال : ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب ، لا يوجد طلوعها وغروبها
على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد ، بل على المشرق قبل المغرب .
قال : فكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء ، كالنقطة في الدائرة ،.
يدل على ذلك أن جرم كل كوكب يرى في جميع نواحي السماء ،
على قدر واحد ، فيدل ذلك على بعد ما بين السماء والأرض من جميع الجهات
بقدر واحد ، فاضطرار أن تكون الأرض وسط السماء
اه . بلفظه .
فهذا نقل لإجماع الأمة ، من إمام جليل في علمي المعقول والمنقول ،
على أن الأرض على شكل الكرة ، وقد ساق الأدلة الاضطرارية من
حركة الأفلاك على ذلك .
ومن جهة العقل أيضاً يقال : إن أكمل الأجرام
هو المستدير كما قال في قوله : { مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتِ }
[ الملك : 3 ] .
وعليه ، فلو قدر لسائر على وجه الأرض ، وافترضنا الأرض مسطحة كسطح
البيت أو القرطاس مثلاً ، لكان لهذا السائر من نهاية ينتهي إليها ، وهي
منتهى التسطيح أو يسقط في هاوية ، وباعتبارها كرة ، فإنه يكمل دورته ،
ويكررها ولو سار طيلة عمره لما كان لمسيره منتهى ، لأنه يدور على سطحها
من جميع جهاتها . والعلم عند الله تعالى .
تنبيه
كان من الممكن أن نقدم هذه النتيجة من أول الأمر ما دامت متفقة في النهاية
مع قول علماء الهيئة . ولا نطيل النقول من هنا وهناك ، ولكن قد سقنا ذلك كله
لغرض أعم من هذا كله ، وقضية أشمل وهي من جهتين :
أولاهما : أن علماء المسلمين مدركون ما قال به علماء الهيئة ، ولكن لا من طريق
النقل أو دلالة خاصة على هذه الجزئية من القرآن ، ولكن عن طريق النظر ،
والاستدلال ، إذ علماء المسلمين لم يجهلوا هذه النظرية ، ولم تخف عليهم هذه الحقيقة .
ثانيتهما : مع علمهم بهذه الحقيقة وإدراكهم لهذه النظرية ، لم يعز واحد منهم
دلالتها لنصوص الكتاب أو السنة .وبناء عليه نقول : إذا لم تكن النصوص صريحة
في نظرية من النظريات الحديثة ، لا ينبغي أن نقحمها في مباحثها نفياً أو إثباتاً ،
وإنما نتطلب العلم من طريقه ، فعلوم الهيئة من النظر الاستدلال ، وعلوم الطب من
التجارب والاستقراء ، وهكذا يبقى القرآن مصاناً عن مجال الجدل في نظرية قابلة
للثبوت والنفي ، أو التغيير والتبديل ، كما لا ينبغي لمن لم يعلم حقيقة أمر في
فنه أن يبادر بإنكارها ما لم تكن مصادمة لنص صريح .
وعليه أن يثبت أولاً وقد نبهنا سابقاً على ذلك في مثل ذلك في قصة نبي الله
سليمان مع بلقيس والهدهد حينما جاءه ، فقال : { أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن
سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } [ النمل : 22 ] وقصَّ عليه خبرها مع قومها ، فلم يبادر عليه السلام
بالإنكار . لكون الآتي بالخبر هدهداً ، ولم يكن عنده علم به ولم يسارع أيضاً بتصديقه ،
لأنه ليس لديه مستند عليه ، بل أخذ في طريق التثبت بواسطة الطريق الذي جاء الخبر
به قال : { سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين } [ النمل : 27 ] ، وأرسله بالكتاب
إليهم ، فإذا كان هذا من نبي الله سليمان ولديه وسائل وإمكانيات كما تعلم .
فغيره من باب أولى .
تنبيه آخر
إذا كان علماء الإسلام يثبتون كروية الأرض ، فماذا يقولون في قوله تعالى :
{ أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ } [ الغاشية : 17 ] - إلى قوله - { وَإِلَى الأرض
كَيْفَ سُطِحَتْ } [ الغاشية : 20 ] . وجوابهم كجوابهم على قوله تعالى : { حتى
إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } [ الكهف : 86 ] ، أي في
نظر العين ، لأن الشمس تغرب عن أمة ، وتستمر في الأفق على أمة أخرى ،
حتى تأتي مطعلها من الشرق في صبحة اليوم الثاني ، ويكون بسط الأرض
وتمهيدها ، نظراً لكل إقليم وجزء منها لسعتها وعظيم جرمها .
وهذا لا يتنافى مع حقيقة شكلها ، فقد نرى الجبل الشاهق ، وإذا تسلقناه
ووصلنا قمته وجدنا سطحاً مستوياً ، ووجدنا أمة بكامل لوازمها ، وقد لا
يعلم بعض من فيه عن بقية العالم ، وهكذا ،
والله تعالى أعلم .
كتبها أبو ضياء الدين في 06:54 مساءً ::
جعلنا الله و إياك أخي من أحباب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، للتواصل أخي قم بزيارة مدونتي
شكرا على الموضوع المفيد
