بسم الله الرحمن الرحيم
إخوة الإسلام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ))
نصف ساعة في القبر
نصف ساعة في أول منازل الآخرة
منذ ثلاثة أيام تقريبا وبالتحديد بعد أن كتبت لإخواني الذين افتقدوني
ما يطمئنهم عليَّ جزاهم الله خيرا
يقرع جرس الهاتف في ساعة متأخرة من الليل
ليكون الخبر الذي يمثل بالنسبة لي مصيبة مبكية
الجرس كان نذيرا وإعلانا بانقضاء أجل جدتي رحمة الله عليها
ويا لها من مصيبة يحلوا معها الصبر ويحسن معها الرضا ويجمل عندها التسليم
وعلى جلالة المصاب لعظمة قدر الجدة في قلبي وسكناها في سويدائه رحمها الله
إلا أن المصاب هان عليَّ حيث ذكرني الله في ساعتها بحديث رواه ابن ماجة وغيره
من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت
(( فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا بينه وبين الناس
أو كشف سترا فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر فحمد الله على ما رأى من
حسن حالهم رجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم فقال
يا أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب
بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري فإن أحدا من أمتي
لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي ))
فاستشعرت أن موت رسول الله خير البشر أفجع للنفوس وأرهب للقلوب وأعصف بالصدور
حمدت الله واسترجعت وأخذت أكفكف دمعي الذي انهمر لا حزنا على موت جدتي رحمها الله
وإنما حزنا على موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فداه أبي وأمي كيف كان فقده
ويلا على البشرية كلها بعدمة كانت حياته رحمة للعالمين ولو جلسنا نقرر هذه المعالم
لطال علينا المقام جدا
وسافرت إلى بلدي ومن الله علي إذ تيسر الأمر حتى وصلت ودخلت على الحجرة
التي فيها الجدة قبلت جبينها وأنا أتصبر وأحبس شجون نفسي راضيا
مسلما لله سبحانه وذهبت إلى المقبرة ريثما يقترب موعد الظهر لنهيئ لها
القبر الذي دفن فيه جدي رحمه الله منذ عامين فتحنا القبر وهنا بدأت معي
نصف ساعة في أول منازل الآخرة
رأيت شيئا من هولها وليس من عذابها
إذ أن الآخرة والطريق إليها مليء بالرزايا محفوف بالبلايا
أجساد تأكلها الأرض وتنهش نضرتها وتذهب بشرتها
ومكث في القبور إلى أن يأذن باريها ويأمر مبديها
ونفخ في الصور يصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء مميتها ومحييها
ونفخة أخرى فمن الأجداث إلى القهار ينسل من فيها
ولبث الخلق في العرصات يتعارفون كأن لم يلبثوا فيها
ورجل يلجمه العرق إثر دنو الشمس من رؤوس من في أراضيها
وأنبياء يسألون الشفاعة فلا يجيبون وآباء من أبنائهم يهربون
ودابة قرناء ظلمت يقتص منها لمن لا قرن لها وهم ينظرون
رسل خائفون وملائكة مشفقون وخلق على ركبهم جاثون وكفار أن لو كانوا ترابا يتمنون
كل هذه الأهوال وغيرها يراها الكفار والمسلمون
قبل أن ينصب الميزان ويمد الجسر وتتطاير الصحف ويؤخذ بأقوام ذات اليمين وذات الشمال
إخوة الإسلام لم يؤذن لي من رؤية الغيب إلى في نصف ساعة أرى آثاره ولا أراه رأي العين
أطلعت على نصف ساعة في أول منازل الآخرة
نصف ساعة فقط في القبر
أرجع بكم إلى ساعة فتحت القبر كي أهيئه للجدة رحمها الله
خرج علينا ذباب أزرق ورأيت هوام وديدان لازالت تعمل
لكن الفاجعة أنني وضعت الرجل منذ عامين فقط وأذكر ساعتها
أن فتحة القبر عانينا حين أدخلناه منها إذ كان عظيم الجثة رحمه الله
فكانت الفاجعة إذ لم أجد لجثته العظيمة أثرا غير تراب قليل مع بعض العظام
المتهتكة مع بعض الشعر المتطاير والقليل جدا أجل إخوتي إنه هو ذات الرجل ذا البنية الكبيرة
التصق طرفا كفنه ببعضهما ثم التصقا سويا بالأرض كأن لم يكن شيء بينهما
أجل لكن الذي فجعني أكثر هو كيف كانت الأرض زاهدة في كفنه بينما أعملت نهمتها في جسده
صحيح لقد وجدت الكفن يكاد يكون كما كان يوم اشتريناه لكن الجسد الذي كان فيه لم يعد له أثر
إلا تراب قليل مع عظام بالية
سبحان الله!!!!
أين جسدك العظيم يا رجل ماذا حل به ؟!
أين قوتك التي أخضعت لك الكثيرين حتى لانوا لك في القول ؟!
أين لسانك الذي كان فصيحا ما أن يعلوا بسوط كلامه على أحد
حتى يثبت مكانه ولا يبرح إشارتك ؟!
كيف لم تعمله في تلك الهوام البائسة التي فعلت بك الأفاعيل؟!
أخبرني يا رجل كيف صرت مأكولا بعد أن كنت آكلا ومشروبا بعد أن كنت شاربا ؟!
أين حسن تهندمك وأين طيبك وأختيارك لجليسك وأين وسادتك وأين فراشك؟!
ألم تعد ترجل رأسك كما كنت تفعل سابقا ؟!
إن كان لك في مشط حاجة أتيتك به ولكني لا أراك تفعل
أيا صاحب المال والبيت الذي لا يزال ورثتك إلى هذه الساعة يتناطحون من أجله ؟!
هل أشتري لك كفنا آخر لكن ماذا سأضع فيه ؟!
لا أجد لك يدا ولا رجلا ولا عينا ولا أذنا
ولا صدرا ولا بطنا وكفنك الذي معك لا يزال جيدا
الحق قل لي هل كنت تحسب لهذا حساب أو كنت تظن أنك إلى هذا يؤول
أمرك ويصير منصرفك يا رجل والله لقد هالني منظرك حتى انشغلت بك عن
من أقدمها لنفس مصيرك فقد كنت أهابك حقا ولكن سقطت هيبة المخلوق بعد ما رأيت
فما عدت أخشى كلمة الحق أمام كبير
ولا صغير ولا كبير ولا جبار وقد رأيت بأم عيني ما حل بك
أما ما رأيت فقد كان عظيما والله عظيما جدا
نصف ساعة أسبح الله وأسترجع وأقول
اعمل أبا ضياء لمثل هذا
اعمل أبا ضياء لمثل هذا
اعمل أبا ضياء لمثل هذا
فلا مال نفع ولا قريب شفع ولا صاحب دفع
فإذا كان هذا أول منازل الآخرة فكيف ببقية المنازل
ولله الأمر من قبل ومن بعد
هيئت القبر وخرجت منه على أمل أن أعود إليه وقد رضي الله عني
فأودع فيه غير عابئ بالبدن الذي يعود حيث خلقه الله من الأرض
راج ربي أن يجعل روحي في حواصل طير خضر تسرح بي في جنة الخلد
يوم أموت شهيدا بإذن الله فنعم الموتة هي
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة وعند الموت شهادة
وبعد الموت جنة ونعيما
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة
وكلمة الحق في الرضا والغضب
والقصد في الغنى والفقر
ونسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقع
ونسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم
والشوق إلى لقائك يا رب العالمين
في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة
اللهم انفعني بهذه الكلمات وانفع بها قارئها وناشرها
واجعلها خالصة لوجهك الكريم
وصل اللهم وسلم وبارك على خير النبيين
محمد وآله وصحبه أجمعين
كتبه
راجي عفو الله
أبو ضياء
المصري
كتبها أبو ضياء الدين في 09:38 مساءً ::
أخي عظم الله أجركم وألهمكم الصبروالسلوان..ورحم الله الفقيدة وأسكنها فسيح جناته .اني عاجزة عن قول أية كلمة لأن كلماتك أثرت في كثيرا وسأتركك الآن لأخلو الى نفسي فلي معها وقفة كبرى....
البقاء لله يا شيخ
فعلا كلماتك مؤثرة جدا
شكرا يا شيخ
ان لله وان اليه لرجعون
